استضافت القاهرة الأسبوع الماضي جولةً جديدة من مفاوضات السلام الشاملة بين مصر والسودان، في خطوة وصفها المراقبون الدوليون بأنها الأكثر جدية منذ سنوات. وأفادت مصادر دبلوماسية مطلعة بأن الجانبين توصلا إلى تفاهمات أولية حول ملفات عدة، في مقدمتها ترسيم الحدود في منطقة حلايب وشلاتين، وتنظيم حركة الأفراد والبضائع عبر الحدود المشتركة، فيما تولّت الأمم المتحدة تيسير الحوار بحضور ممثلين من الاتحاد الأفريقي.
وأكد وزير الخارجية المصري، في مؤتمر صحفي عقب انتهاء الجولة الأولى من المباحثات، أن بلاده تنظر إلى السودان باعتباره شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه، مشيراً إلى أن الإرادة السياسية المشتركة متوفرة للوصول إلى اتفاق تاريخي يُعيد العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعي. وأوضح أن المباحثات تناولت أيضاً ملف المياه ومشاركة السودان في المفاوضات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، وهو الملف الذي يجمع البلدين في موقف مشترك أمام المجتمع الدولي.
في المقابل، أبدى الوفد السوداني ارتياحاً واضحاً لمسار المحادثات، مؤكداً أن إعادة الاندماج الاقتصادي بين البلدين ستُشكّل رافداً حيوياً لاستقرار المنطقة برمتها. وكشف مسؤول سوداني رفيع المستوى أن الجانبين اتفقا على إنشاء لجنة فنية مشتركة تتولى متابعة تنفيذ بنود الاتفاق المرتقب، وذلك في غضون ثلاثة أشهر من انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات. وشدد على أن الخرطوم ترى في القاهرة حليفاً محورياً في مساعيها نحو الاستقرار والتنمية.
يأتي هذا الحراك الدبلوماسي في سياق تحولات إقليمية متسارعة، إذ تسعى مصر إلى توطيد دورها كوسيط موثوق في منطقة القرن الأفريقي، فيما يواجه السودان تحديات داخلية جسيمة تجعل من التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية لا خياراً. وقد أسهم الدعم الدولي الواسع لهذه المفاوضات، ولا سيما الموقف الأمريكي والأوروبي الداعي إلى تسوية شاملة، في منح الطرفين زخماً إضافياً للمضيّ قُدُماً في هذا المسار.
تُتوقع الجولة الثانية من المفاوضات أن تُعقد في الخرطوم خلال أواخر شهر مارس الجاري، وسط تفاؤل حذر لدى المراقبين الدوليين الذين يرون أن نجاح هذا المسار سيُعيد رسم خريطة التعاون الأفريقي في حوض النيل. وتتطلع الشعوب في كلا البلدين إلى تحقيق نقلة نوعية في العلاقات الثنائية، تُترجَم إلى مشاريع تنموية مشتركة وانفتاح اقتصادي يعود بالفائدة على المواطنين البسطاء في الجانبين.